ابن عساكر
84
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
بحوائجهم ، وسألوا اللّه تعالى ، فيأتيهم بما سألوا . فانطلق وفد عاد فصعدوا الصفا ، يقدمهم قيل بن عتر « 1 » . فلما استووا على الصفا يريدون أن يسألوا ، فقال قيل عاد حين دعا بإله هود : إن كان هود صادقا فاسقنا ، فإنا قد هلكنا ، فإنا لم نأتك لمريض تشفيه ، ولا لأسير فتفاديه ، فأنشأ اللّه ثلاث سحابات بيضاء ، وحمراء ، وسوداء ، وناداه مناد من السماء : يا قيل ، اختر لنفسك وقومك من هذه السحابات ، قال قيل : أما البيضاء فجفاء لا ماء فيها ، وأما الحمراء فعارض ، وأما السوداء فهي مطلخمّة « 2 » ، وهي أكثر ماء ، فقد اخترت السوداء . فناداه مناد فقال : اخترت رمادا رمددا « 3 » ، لا تبقي من آل عاد أحدا ، لا والدا ، تترك ولا ولدا ، إلا جعلته همدا « 4 » ، إلا بنو اللوذيّة الغمدا « 5 » ، وإنما يعني الفهدا : السام « 6 » ، وبنو اللوذيّة : بنو لقيم بن هزّال بن هويلة « 7 » بنت بكر ، وكانوا سكانا بمكة مع إخوانهم ، لم يكونوا مع عاد بأرضهم ، فهم عاد الآخرة ، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد . وساق اللّه السحابة التي اختار قيل بن عتر بما فيها من النقمة إلى عاد ، حتى تخرج عليهم من واد لهم يقال له : المغيث ، وقيل : إن الوالدي يقال له : الريان . كانوا إذا قحطوا فجاءتهم الريح من تلك الناحية مطروا . فلما رأوها جثلة « 8 » من ناحية الريان ، أو المغيث استبشروا بها ، فقالوا : قد جاءنا وفدنا بالمطر قالوا لهود : أني ما كنت توعّدنا ؟ ما قولك إلا غرور هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا [ سورة الأحقاف ، الآية : 24 ] . يقول اللّه عز وجل لهود : قل لهم بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [ سورة الأحقاف ، الآيتان : 24 و 25 ] أي : كل شيء أمرت « 9 » به . فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح
--> ( 1 ) كذا بالأصل وتاريخ الطبري 1 / 136 وفي الكامل لابن الأثير 1 / 79 عير وفي البداية والنهاية 1 / 145 عنز . ( 2 ) اطلخم الليل والسحاب : أظلم وتراكم ( انظر اللسان وتاج العروس ) . ( 3 ) بالأصل هنا : « رمدا » والصواب عن البداية والنهاية وتاريخ الطبري والكامل لابن الأثير . والرمدد بكسر الدال وفتحها : المتناهي في الاحتراق والدقة ( انظر اللسان وتاج العروس ) . ( 4 ) بالأصل : « مهمدا » والصواب عن المصادر السابقة . ( 5 ) في الطبري والكامل لابن الأثير : « اللوذية المهدى » وفي البداية والنهاية : « اللودية الهمد » زيد في البداية والنهاية : قال : وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة . ( 6 ) كذا بالأصل ، وليست اللفظة في المصادر السابقة . ( 7 ) في تاريخ الطبري : هزيلة . ( 8 ) بدون إعجام بالأصل ، أعجمت عن المختصر لابن منظور المطبوع ، والجثل : الضخم الكثيف من كل شيء . ( 9 ) بالأصل : مرت ، والصواب عن الطبري والبداية والنهاية .